خاتم من فضة – قصة قصيرة جدا

كانت امرأة الحانوتي قد امتهنت تأبين زبائن زوجها بأجمل العبارات وأرق المشاعر التي من شأنها أن تخفف وطأة الفقد التي ألمت بأقرباء الميت وأحبائه.
مع ازدهار بضاعة الموت في القرية بفعل الحروب والفقر،
كثر زبائن الزوجين وازدهرت تجارة الدفن، ومعها زاد بقشيش   خطب التأبين التي كانت تكتبها.

اشتهرت المرأة كثيرا بين أهل القرية والقرى المجاورة وصارت لكلماتها الشاعرية وجملها الرنانة عن الأموات ومناقبهم شهرة الشعر والأغاني-مع أن معظمها كان مبالغا فيه بحسن نية-. أما زوجها فكان دوره المتلخص في غسل الميت وإلباسه وحمله ودفنه يمر مرور الكرام بقدر ضرورته، وتلاشى صيت ذلك الدور أمام لهفة الناس لما بعد الدفن، حين يأتي دور امرأة الحانوتي.
في يوم من الأيام مل الحانوتي حتى ضاقت به نفسه،
فقرر أن يأخذ إجازة قصيرة، ويذهب في رحلة صيد بقارب صغير.
أدركت زوجته حينها أن العمل كله سيتوقف بسبب ذلك،
وغضبت عليه غضبا شديدا حتى أنها لم تكلمه صباح رحيله،
عصر ذلك اليوم، ذهبت لسوق القرية لاستئجار أحد الشبان الأقوياء ليحل محل الحانوتي في إجراءات الدفن.
مرت الأيام والعمل مزدهر كما هو وكأن شيئا لم يتغير.
واصلت امرأة الحانوتي عملها وظلت جذوة الشهرة على تألقها بقدر أتراح الناس -وما أكثرها- ولم تكن موهبتها في العزف على وتر الأحزان لتنطفئ، فهي بارعة في تلمس حزنها واستنباطه لو لزم الأمر. وهكذا، استمر العمل كما كان بل أفضل قليلا.
يوما ما، جاء أهل القرية إليها بجثة غريق تعفنت في النهر حتى جرفها التيار نحو المجاري وبقيت هناك حتى اختفت معالم صاحبها ولم تبق الفئران من ملابسه الشيء الكثير،
وطلبوا منها ومن شريكها أن يكرماه بالدفن،
فرفضت لأن أحدا منهم لم يدفع التكاليف.
لكنها اضطرت لتسلم الجثة عموما، وأوعزت إلى شريكها أن يحرقه ليلا.
عاد إليها الشريك وفي يده خاتم من فضة، وقال: هذا كل ما وجدته في جسد ذلك البائس. لعلنا نجني ببيعه بعض المال.
فور استلامها الخاتم، أدركت امرأة الحانوتي أنها أمسكت بخاتم زواجها،
لكن ودون حديث، أخذت الخاتم ووضعته في جيبها، ثم قالت: غدا يوم جديد، اذهب وخذ قسطا من النوم.
ومع تقاطر دموعها في صمت، أمسكت بقلمها وعزفت شعورها الذي لم تكن متأكدة من معناه خطبة تأبين جديدة لجارها الذي مات وهو يحاول التقاط علبة ثقاب سقطت من بين يديه بينما كان يحاول إشعال سيجارة.
محمد الهاشمي

About محمد الهاشمي

إعلامي،شاعر،كاتب من الإمارات ،بتخصص إدارة وسياسات ثقافية، مهتم بالشؤون المحلية والخليجية والعربية، وحوار الثقافات والأديان. عمل مذيعا ومقدما للتلفزيون بين ٢٠٠٠-٢٠١٢، وشارك شاعرا في عديد الأمسيات

30549 thoughts on “خاتم من فضة – قصة قصيرة جدا

  1. اسماء عبد الرازق
  2. ccn2785xdnwdc5bwedsj4wsndb

    […]Every once inside a even though we select blogs that we study. Listed beneath are the most up-to-date sites that we pick out […]

  3. xnc5bsxnrbscngfrfgc4ecgdgf

    […]The info talked about inside the report are some of the best readily available […]

  4. mxcn5w7xmwncwexnicensrgffg

    […]Wonderful story, reckoned we could combine several unrelated data, nonetheless really really worth taking a look, whoa did a single discover about Mid East has got much more problerms at the same time […]

  5. Title

    […]usually posts some really intriguing stuff like this. If you are new to this site[…]

  6. Title

    […]Here is a superb Blog You may Discover Interesting that we Encourage You[…]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may use these HTML tags and attributes:

<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>