RSS
 

نقد النقد لشاعر المليون – رؤية علمية

22 مارس

البعض يعتقد أن النقد هو أن تقول رأيك وانطباعاتك الآنية بصراحة ودون دبلوماسية حول موضوع أو تجربة أو شخص ما. في رأي العلم ورأي رواد الحركة النقدية في العالمين العربي والغربي فإن هذا التعريف خاطئ جداً، بل يكاد يضاد قيم ومبادئ وأهداف الحركة النقدية بشقيها الثقافي والحضاري. وعلى الرغم من أن هناك من يرى أن النقد الأدبي ينبغي أن يكون حراً وأن لا تعود مرجعيته إلى أي شيء سوى ذوق الناقد وحصافته، لكن هذا الرأي يصطدم كثيراً بحقيقة أن النقد لا يعتمد على الانطباع الأول بقدر ما يرتكز على أسس علمية ومراعاة لجوانب أخرى مهمة كالتأثير والتأثر النفسي والبيئي ومؤثرات أخرى كالوضع الاجتماعي والإقليمي والسياسي، أي أن القاعدة السائدة لأي تناول علمي موضوعي تحظر وتمنع أي رأي مسبق حول النظرية المطروحة لأن ذلك يقود صاحبها إلى تطويع كل العوامل والرؤى والدلائل لأجل إثبات ما يريد إثباته- أي أن من يريد مثلاً لتجربة “شاعر المليون” أن تفشل سيظل يبحث فقط عن مبررات هذا الفشل بما في ذلك المبررات العلمية والمدللة على الفشل فعلاً رغم أن “الفشل والنجاح” مصطلحان نسبيان وغير موضوعيين أبداً. كثيرون من طبقوا ذلك الاعتقاد القاصر في كثير من الجوانب على “ِشاعر المليون” باعتباره تجربة ثقافية وإعلامية فريدة من نوعها وغير مسبوقة عالمياً. كثرٌ هم من تراوحوا في نقدهم لعناصر وأطر التجربة هذه بين الموضوعية الدقيقة واللاموضوعية المرتكزة على الرأي المنطلق من رغبة في الوصول إلى أهداف ونتائج مرسومة مسبقاً، وأكاد أجزم أن أكثر المطالعين لهذه الآراء بما فيهم كتابها لن يتمكنوا من التفريق بين الموضوعي وغير الموضوعي مما يعني أن المسألة خضعت لعامل الصدفة والتوفيق في كثير من الأحيان! كما أن ذلك ينطبق أيضاً على التناول النقدي وعملية التقييم للقصائد المطروحة في “شاعر المليون” في بعض الأحيان، ليس ذلك قصوراُ في القائمين على عملية التقييم بقدر ما هو تأثر بواقع أن أكثر التقييم ارتجالي وآني، مرتبط بتوقيت الحدث وملابساته ومفاجآت نصوصه وطريقة عرضها.

ما يجهله كثيرون أن قواعد وأسس وآليات النقد الأدبي عند العرب اليوم ارتكزت بشكل أساسي على التجربة الغربية في النقد وعلى القواعد العلمية التي توصل إليها للوصول إلى نقد (موضوعي) أو (محايد) بعيدة قدر الإماكن عن احتمالات الخطأ النسبي أو ما يسمى بحيز الخطأ Margin of error. ليس ذلك تجاهلاً لأهمية النقد العربي على مر العصور بل لأن من أشاروا إلى أهميته- وهم من تلقوا علوم النقد وأساسياته من الغرب- هم أنفسهم من تنبهوا إلى حاجته للأسس وما يحتويه ذلك من تجارب معقدة ومثيرة تستحق الدراسة والاطلاع.
هذا التأثر صاحبه أيضاً استكشاف فريد وجديد جداً للمفردة والاصطلاح اللغوي والعلمي في اللغة العربية ولغة النقد تحديداً، واستشفاف لتأثيرات المفردة ومدى حياديتها أو احتوائها على (تحيز) تفرضه اسقاطات المعنى أو مرادفاته.
إن تألق حركة النقد النصوصي والثقافي عند الغرب بشكل مفلت في القرن الثامن عشر أسس لوضع قيم ومبادئ وآليات علمية وموضوعية لعملية النقد والتناول لكثير من العلوم وليس فقط الأدب أو الشعر. وكثيراً ما ارتبط النقد الثقافي في دلالته العامة بنقد الحضارة كما أشار إلى ذلك دليل النقاد الادبي، وتحرك في مختلف تدرجاته كبار مفكري العرب كالراحل طه حسين والمعاصر محمد عابد الجابري. ومن أهم من ساهم في وضع حركة النقد الغربي تحت إطار اللغة العربية بشكلها المعاصر الدكتور السعودي عبدالله الغذامي، الذي ألف العديد من الكتب حول النقد ومنها كتابيه “المشاكلة والاختلاف” و “القصيدة والنص المضاد”. ولعل أبرز ما ذكره الدكتور عبدالله كان أهمية أن يميز الناقد بين السمات الإيجابية والسمات السلبية التي ينبغي التركيز عليها، كما أنه أضاف عاملاً إضافياً على الأساسيات الست لعملية الاتصال المؤسسة لـ”القراءة التأويلية” والتي وضعها المفكر رومان جاكوبسون وهو عامل “النسق” الذي يركز على البعد التاريخي للثقافة والنص إضافة إلى العوامل الست المعروفة وهي: الذاتية والإخبارية والمرجعية والمعجمية والتنبهيه والشاعرية. وقد اختار الغذامي نسق “الفحل” كاصطلاح مشهور في عالم الشعر الشعبي يقود إلى طرح أمثلة مشابهة له في مختلف جوانب الحياة المجتمعية، فكما أن هناك فحل شعري فهناك فحل اجتماعي وفحل ثقافي وفحل اقتصادي وفحل سياسي وفحل اعلامي….الخ.
إن كثيراً من النقد هو بلا شك “تأويل” شخصي انطباعي للمشاهدة والمراقبة والتحليل بل أعتقد أن أي نقد لا يخلو من التأويل في مرحلة أو أكثر من مراحله. ولأن الخطأ والصواب نسبيان من الأساس، فإن أي نتيجة لا تخلو من جدل بين المعارضة والتأييد، وهذا يعني أن أي نقد أو تحليل لن يخلو كلياً من حيز الخطأ. ولأن تجربة “شاعر المليون” جديدة كلياً وغير مسبوقة من ناحية الوسط والمادة التي تتعامل معها وهي “الشعر النبطي” فهذا يعني أنها بحاجة إلى رؤية علمية وموضوعية جادة تستطيع الأخذ بها إلى الأمام ومساعدة القائمين عليها على تلافي سلبيات النسخة الأولى منها. هذا لا يعني أن في ذلك مصادرة للرأي، فالرأي شيء آخر تماماً وهو أحد الحريات المكفولة للإنسان بغض النظر عن ثقافته وشفافيته أو موضوعيته في التناول. ولكن الأهم، أن يدرك صاحب الرأي أن ما يقوله “رأي” لا أكثر، وأن الرأي لا يثبت أو يدحض أي شيء من الناحية العلمية، وأنه من وجهة نظر العلم، لا يعتد به أبداً، بل أنه جزء من التفاعل ورد الفعل الذي يؤسس لتناول علمي وبحثي، أي وباختصار أن الرأي، جزء من مشروع علمي بحثي لمدى التأثر والتقبل عند المتلقي لا أكثر، فعندما ينشأ أي استبيان علمي، فإنه يعتمد على استفتاء الآراء واستبيانها ليؤسس نظرية علمية قابلة للنقاش والطرح، ولكنه لا يشكل إلا مرحلة أولى لهذا النقاش وليس استنتاجاً أو إثباتاً لأي شيء. البحث العلمي يستند في بعض طرقه إلى الاستبيان واستطلاع الآراء، لكن حتى ذلك يحضع لمعايير علمية دقيقة تنأى به عن الانجراف في حيز الخطأ Margin of error بحيث لا تتعدى نسبته 3-5%.

هذه دعوة لنقد “شاعر المليون” نقداً علمياً بناءً يفضي إلى الوصول إلى أفضل النتائج، فهل نحن مستعدون لذلك، وهل هناك من يستطيع استثمار وجود قواعد وأسس للنقد، أم أننا سنظل في حيز الرأي لا أكثر؟ الإجابة بحاجة للكثير من المتابعة، فالبرنامج وصل إلى نهاية نسخته الأولى للتو.

 

Leave a Reply

 
 
  1. ss

    مارس 27, 2007 في 8:32 ص

     
  2. الفصول الأربعة

    مارس 30, 2007 في 6:20 ص

    محمد مبدع ..
    ومازالت دعوتي لك قائمة..بأن تشرفنا بنشرها في المجلة..

    اتمنى موافقتك..

    خالص أمنياتي لك بالتوفيق الدائم..

     
  3. محمد الهاشمي - دافي الجرح

    مارس 30, 2007 في 8:04 ص

    أشكرك ss على إطلاعي على تلك الصفحات فقد حثتني على الانطلاق في رحلة إلى مجاهل مثيلاتها…

    الفصول الأربعة .. تحية عذبة بعذوبة حضورك .. ولكن أي مجلة وهل تحدثنا من قبل فيها؟ هي كلها لك وإن شئت فلك غيرها

     
  4. الفصول الأربعة(طفـلة المطــر)

    مارس 31, 2007 في 8:58 ص

    أهلا ًبك..

    كنت قد بعثت برسالة أستئذنك فيها بنشر المقال..يبدو أنها لم تصلك..لهذاأنت متفاجأالآن..

    مجلة(توجان)..مجلة إلكترونية خاصة بمنتديات الشاعر فهد المساعد..

    سنتشرف بنشر طرحك المتميز فيها..

    سعداء جدا ً جدا ً بموافقتك..

    ولك مني وعد..بأن أرسل إليك رابط المجلة عندما يصدر العدد القادم متزينا ً بمشاركتك التي ستعطر صفحاته..

    أيهاالممطر إبداعا ً..

    شكراً مرة ً أخرى..

    خالص أمنياتي لك بالتوفيق الدائم..

     
  5. شمرّيه

    أبريل 1, 2007 في 2:35 ص

    دافي الجرح (F)
    يسعد جميع أوقاتك

    بلا شك شاعر المليون ظاهره اعلاميه ناجحه بكل المقاييس يكفي أن استاطعت جذب ملايين المشاهدين وهو حديث الولاده وفي أول تجربه له
    وان كانت احدثت بعض الضجه في الآونه الأخيره لكن المهم التالي والنتيجه وماذا حدث وسيحدث بعد شاعر المليون ؟
    هنــأ سـأكتب عن (بعض) الإيجابيات التي ترك البرنامج اثرها منها استطاع البرنامج ان يبرز شعراء رائعين لم يكونو معروفين من قبل الجمهور
    سواء كانوا من الخليج أو من بعض الدول العربيه
    أصبح البرنامج حديث المجتمع , وأغنى فئه كثيره من الناس عن متابعه بعض البرامج التافهه
    أصبح الجمهور أكثر درايه بمسائل الشعر النبطي من وزن وقافيه وصور فنيه واصبح يستطيع تذوق الشعر النبطي من مواضيع جميله كـ (غزل , حكمه , مجال اجتماعي )
    فتح باب التصويت لـ ((جمهور الشعر)) وليس القبلي .. فتح لهم باب التصويت للأفضل وبث روح المنافسه الشريفه بين الشعراء

    أهم نقطه أحب أضيفها في قائمه الايجابيات الطويله هي أن البرنامج عرفنا على [محمد الهاشمي] مقـدم رائع وجميل يحمل بين ابتسامته الرائعه اسمى معاني النقاء ..
    عرفنا عليه البرنامج كمذيع مقدم للبرنامج ليقدمه لنا بدوره كشاعر عذب من الصعب تجاوزه والاختلاف عليه

    هــذا اتوقع يكفينا من البرنامــج :)

    بعض السلبيات أتوقع انها لا ترقى لمستوى كل هذا النجاح الذي حققه البرنامج منها ضعف الاعداد في بعض الحلقات و ضعف مستوى لجنه التحكيم
    نجد بعض الاراء مجرد تكرار لبعض العبارات التي اصبح الجمهور يرددها معهم , أثارة بعض الشعراء للعصبيه والفزعه في أشعارهم , و جود العنصر النسائي
    في التقديم اتوقع يمكن الاستغناء عنه لانه برائيي لايليق ببرنامج بحجم شاعر المليون وأن كان لابد هناك أسماء أعلاميه نسائيه اتوقع ستبدع أن أتيحت لها الفرصه في
    تقديم هذا البرنامج ,
    هذا مايحضرني الآن .. وأعذرني أن كنت تجاوزت بعض الشي
    وأ عتـذر على الإطــاله

    وكل الشكر لكل العيون التي قـرأت سطوري بصدر رحب

    /
    /
    (F)

     
  6. المبتسمه

    أبريل 1, 2007 في 10:19 ص

    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته

    الاخ العزيز الفاضل محمد الهاشمي

    نقد النقد لشاعر المليون

    موضوع اتي في صميم الاجواء التي نعيشها مابين ناقد وحاقد

    فناقد يريد اصلاح اخطاء البرنامج واصلاحه يدفعه لنجاح اكثر ورقي اعلى ولكن حاقد يريد اطاحه البرنامج ودفعه للهاويه وتظليل الاخرين عن الهدف السامي والموروث الشعبي الذي يصبوا اليه هذا الصرح الشامخ

    كثير من يتكلم وقليل من يفعل هذا تقريبا حال الناس في وقتنا وفي زمننا ولكن الكلمه والفعل تظل هي الفيصل مابين ناقد وحاقد

    جميل نشعر بمن هو حامي ومدافع عن كل اعماله ونجاحاته ولكن الاجمل والاجمل ان لا يبالي بما يقال ومايكتب على ايدي اناس مرتزقه
    تريد اكل لقمتها على حساب الاخرين تريد الزعزعة والفتنة بين الناس

    بأختصار

    كل مايكتب عنك او عن البرنامج او عن لجنه التحيكم انما هو بدافع الحقد والغيض وهو مؤشر جيد لدفعكم للامام وتلميع لاسمائكم وشهرتكم

    واذا اتتك مذمه من ناقص فهي شهادةلك بأنك كامل

    هذا اختصار لكل مايدور حولك من حقد وليس نقد

    كان الاولى والاجدر بهم نقد برامج فاسده لاتمت لديننا بصله

    برامج اهتمت للفساد ونشر الرذيله بين ابناء المسلمين
    ومع ذلك لم يتجرأ احد نقدها ولا التكلم عنها ولاحتى توجيه نصيحه للقنوات وبرامجهاالخليعه

    لأن من يقف خلفها اناس لايستطيعون النقاد ولا الحقاد ان يتفوهوا امامهم او من خلفهم بكلمه واحده

    ولكن هذا يدل على صغر ودناة انفسهم لان الحقير هو من ينتقد النحاج ويترك الفشل يتقول بقول زور فهو اما ذم كل جميل وحسن واما مدح كل قبيح سيئ او لزم الصمت امام الباطل

    اخيرا وليس اخرا

    لاتفتح لنفسك باب لمجادله الصغار ومناقشه الجهلاء لانك لان تأخذ منهم حق ولاباطل

    فأنت كبير فلا تلتفت اليهم

    شكرا جزيلا على سعه صدرك وتقبلنا كأخوه لك

    دمت بحفظ الله ورعايته

    اختك : المبتسمه

    المملكه العربيه السعوديه

    سبحان اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلاأنت أستغفر وأتوب إليك

     
  7. الفصول الأربعة(طفـلة المطــر)

    أبريل 19, 2007 في 1:05 ص

    هاأنذا أفي بوعدي..

    هنا تشرفنا بإبداعك على صفحاتنا..
    http://www.almusa3ed.com/vb/showthread.php?t=18361

    شكراً أخي الكريم..

    خالص أمنياتي لك بالتوفيق الدائم..