صحن الفوالة (2)

تعلمنا التجارب أن نجرؤ أو نخاف، أن نستمر في الخطأ أو نفعل الصواب، أن نعيش كغيرنا أو نكون مختلفين، أن نعتمد سلوكاً أو نتخلى عنه. لا يمكن أن نبقى على ما نحن عليه بعد أي تجربة. مخطئ من يعتقد أن أحداً لا يتعلم. أقل درس يمكن لأي أحد تعلمه هو معرفة شعور أن تجرب شيئا جديداً، أو شعور أن تعاود الكرّة، أو شعور أن تعتقد أن تجربتك هذه المرة مغايرة. في الحالات الثلاث أنت تصنع نتاجاً جديداً لا يشبه سابقه، وتصنع من نفسك إنسانا أفضل أو أسوأ تباعاً.


لا أسهل من أن تعتقد أنك تستطيع تقييم تجربتك، والأصعب أن تتحلى بالعدالة والنزاهة في ذلك. نحن ميالون لتلمس ذواتنا بحساسية مفرطة، فننتفخ أو ننكمش بحدّة غالباً. وعليه، فمهما تحدثنا عن تجاربنا فإننا سنرويها كما رأيناها، لا كما رآها الآخرون، وكثيراً ما نرى أنفسنا في دور البطولة، أو الدور الرئيسي. فلا أحد يريد أن يكون “كومبارس” في روايته الخاصة.
في تجاربي أشياء أحب أن أتذكرها، لأنها تذكرني بما يجب أن يدفعني للأمام. أما التجارب التي تعيدني للخلف فهي لائحة ممنوعات، ومن المعلوم أن مقاومة الرغبة في الممنوع أمر صعب. أحاول دائما تذكر أن الأغبياء وحدهم يمشون للأمام ورؤوسهم تتطلع للوراء، أما الأذكياء فينظرون للخلف عندما توقفهم العراقيل فقط. الفارق هنا ضئيل، لكنه خادع جداً.
– في سن الرابعة أسمتني الصحافة “الطفل المعجزة”. ثم كنت خلال المرحلتين الإبتدائية والإعدادية من الأوائل على مستوى المدرسة والمنطقة التعليمية. في الثانوية صرت أدلل نفسي بمحاولة التفوق دون جهد، فتراجعت درجاتي سنة بعد سنة. هذا يحدث عندما يعتقد الجميع بمن فيهم أنت أن نجاحك بتفوق تحصيل حاصل. الغارق هنا كان أنا وحدي، لكنني كنت مستمتعاً بالغرق وإثبات خطأ الجميع. لعل ذلك كان أثراً لهرمونات المراهقة.
– في الإعدادية، كنت متفوقاً في الرياضات الجماعية وسباقات المضمار، ثم مللت تحقيق إنجازات لا يذكرها أحد، فاتجهت للأنشطة الإعلامية، وقمنا بتسجيل مسرحية إذاعية. حصلنا على المركز الأول على مستوى المنطقة التعليمية والثاني على مستوى الدولة. وقد فاز فريق مسرحي من ربيبي “الإصلاح” الذين كانوا بارعين في الدراما “الدعوية” المسرحية، وكانت مسرحيتهم تتسق مع المزاج “الإخواني” للجان التحكيم والقيادات التعليمية.
– حتى لا أحبط أنا وزملائي، قررت أن أؤسس أول إذاعة مدرسية إخبارية، وكانت تلك سنة احتلال الكويت الشقيقة. خلال شهرين كانت المنازل المحيطة بسور المدرسة تتابع برنامجنا الصباحي وتصلنا الكثير من رسائل الإعجاب من ربات البيوت. لذلك، قررت المدرسة مدّ فترة الإذاعة إلى ربع ساعة. بعدها بأشهر تحررت الكويت بحمد الله، ومن فرط غبطتي لم أعد أشعر بأن هناك شيئا يمكن الحديث عنه، كما أن أحداً لم يشعرني بأنه بحاجة لسماع شيء آخر، فتوقفت.
– أردت التفوق في كرة القدم لأنها أكثر شيء يعجب الناس هنا، فانضممت لنادي الجزيرة. بعد عام، انضممت لتجمع للبراعم من مختلف أندية الدولة لتشكيل منتخب ناشئين للمشاركة في التصفيات الآسيوية. أصبت بعد يومين، وعدت للنادي فلم يعالجوني. غضبت لإهمالهم. لم يعجب إدارة النادي أنني قررت البحث عن بديل، فقررَت تسجيلي في كشوفات الفرق العُمْرية حتى لا ألعب لأي فريق آخر.
– تركت النادي واتجهت للموسيقى، فكونت فرقة “هارد روك” مع عدد من أبناء مدرسة الشويفات الخاصة “المتأمركين”، وصرت المغني الرئيسي وارتديت “الجينز المشقق” وقميص “ميتاليكا” وحزاماً بجمجمة وربطت “البندانا”. ثم انتهى التمرد فاتجهت للغناء الخليجي هنا وهناك. كدت أن أحترف الغناء وأوقع لشركة روتانا، لكنني انسحبت إرضاء لجدّي.
– قبل أسبوعين من اختبارات الثانوية العامة، وصلتني رسالة حرمان من الاختبارات بسبب الغياب لأكثر من شهرين، مما أغضب والدي كثيرا. توسلت مدير المدرسة ووعدته بالنجاح، فسخر ونذر أنني لو نجحت فسيذبح بقرة عند باب المدرسة. انكببت على الكتب 13 يوماً فنجحت وتفوقت، ولم أر أي دم حيوان يسيل على الأرض فقد كان المدير يقضي عطلته في بلاده عندما أُعلنت النتائج. كان والديّ مترددين في إرسالي للدراسة في الخارج، فقد اعتقدا أن الدول المتحررة مكان خطر على ذوي “العنفوان الزائد والعاطفة المرهفة”. وجدت نفسي طالباً في جامعة الإمارات، وكانت في ذلك الوقت تعدّ –في نظر خريجي أبوظبي- ملاذاً أخيراً لمن لم يحالفهم الحظ في خيار آخر. في سنوات الجامعة في مدينة العين، تحول ذو العنفوان المرهف إلى “فهلوي”.
كل ما سبق حدث وأنا بعد لم أبلغ العشرين، وفي تلك السنة رسمت طريقي المهني الإعلامي الطويل، وتلك مرحلة أخرى تستحق كتاباً، ولعل هذا المقال يكون توطئته.
قبل أن أعرف الوظيفة والشهرة، فرضت جملة الظروف والملابسات، وسلسلة النجاحات والخيبات وبعض الأخطاء البريئة وأخرى تبت عنها في صنع متمرد مغامر ينتظر الفرصة السانحة ولا يسرقها من أحد، مقامر لا يعترف بالفشل فلا يخافه، لكنه كثيراً ما يفقد الرغبة عندما تغيب نزاهة التنافس ويكثر الغش. كان شابا صغيرا يمل التكرار والروتين ويعشق تحدي الأزمة أكثر من عشقه لصناعة النصر.
علمني ذلك إظهار الصلابة عندما تكثر الرخويات، والتحول إلى قبضة من فولاذ عندما يقرع الحديد بالحديد. لكن كان هناك شبح يطاردني دائماً، ويربك حساباتي، وهو شيء يسمونه غياب التقدير. وكان هناك أحياناً عفريت صغير اسمه انهيار الرمز والقدوة، وحمار أعرج اسمه عدو النجاح. تلك كانت أشياء يمكنني أن أستبعدها من اهتمامي لو أنني نظرت إلى ذاتي من الخارج وتخلصت من عدوي الأول: شعوري بالقرف، لكنه شيء تعلمته متأخراً، ولا أزال أتناساه أحياناً كثيرة. ذلك لأن الأمراض المنتشرة يصعب التخلص منها أو حتى ملاحظتها. والنظر من الداخل أكثر انتشاراً مما نتصور، أما النظر من الخارج فهو أصعب حبة دواء يمكن الحصول عليها.
المهم أن نتذكر، أننا قد نجد في قاعة استقبال ما “صحن فواكه” من البلاستيك، أما “صحن الفوالة” فلا يمكن إلا أن يكون حقيقياً.

— مقال منشور على موقع الصحيفة الكويتي:
http://www.alsahefah.com/ArticleDetails.aspx?NewsId=18292

محمد الهاشمي

About محمد الهاشمي

إعلامي،شاعر،كاتب من الإمارات ،بتخصص إدارة وسياسات ثقافية، مهتم بالشؤون المحلية والخليجية والعربية، وحوار الثقافات والأديان. عمل مذيعا ومقدما للتلفزيون بين ٢٠٠٠-٢٠١٢، وشارك شاعرا في عديد الأمسيات

6567 thoughts on “صحن الفوالة (2)

  1. This blog was how do I say it? Relevant!! Finally I have found something that helped me. Kudos!

  2. It as grueling to find educated nation by this subject, nevertheless you sound comparable you recognize what you are talking about! Thanks

  3. I cannot thank you enough for the post.

  4. wow, awesome blog article.Really looking forward to read more. Great.

  5. I value the article post.Much thanks again. Keep writing.

  6. The facts talked about in the post are several of the ideal readily available

  7. buy soft viagra

    [url=http://buyviagra100mgs.com/]viagra[/url]

    cheap viagra

    cheap viagra overnight paypal

  8. I really like and appreciate your article. Awesome.

  9. This unique blog is no doubt awesome additionally factual. I have found many handy stuff out of it. I ad love to return every once in a while. Thanks a bunch!

  10. Really enjoyed this blog post.Much thanks again.

  11. I really enjoy the article. Want more.

  12. Remarkable issues here. I am very glad to peer your post. Thank you a lot and I am looking forward to touch you. Will you kindly drop me a mail?

  13. Very neat blog article.Really looking forward to read more. Awesome.

  14. Great blog post.Thanks Again. Awesome.

  15. Do you mind if I quote a couple of your posts as long
    as I provide credit and sources back to your website?
    My blog is in the exact same niche as yours and my visitors would certainly benefit from
    a lot of the information you present here. Please let me know if this okay with you.
    Thanks a lot!

  16. Thank you ever so for you article.Much thanks again. Really Great.

  17. This is one awesome article post.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may use these HTML tags and attributes:

<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>