ماما ميا! دعوات للانحطاط في قالب غنائي جميل

مضى وقت طويل منذ آخر مرة قمت فيها بكتابة مقالة نقدية حول فيلم شاهدته. كانت هذه هوايتي قبل أن أعرف الإعلام معتركاً للمهنة أو أمارس طقوسي المحببة في التفلسف على نفسي وعلى الآخرين.

لكن ولأول مرة أحسست بشيء من الاندفاع تغلفه رغبة دفينة في الخروج عن الصمت.. ليس استثناءً بل لأن الحديث هنا يطيب ويصدح بالاستفهام والاستنكار.. وأحيانا الاستهجان..

فيلم جديد.. هوليود عودتنا أن تعود إلى الكلاسيكيات وأن تكسر رتابة الموضة السائدة بفيلم من نوع مختلف..هذه المرة كان فيلم Mamma Mia! على غير العادة بعيدا عن الاستثناء فالسينما الأمريكية هذه الأيام تبحث عن ماضيها المنسي.. وتتشبه بأفلام بوليوود إن أمكن..وبعد سويني تود المحاكاة المرعبة لإحدى روائع القصص والمسرح..وسلسة أخرى من الأفلام الأبرز في هذا العقد..شيكاغو والطاحونة الحمراء (مولان روج) الخ الخ..يأتي فيلم Mamma Mia! ليطرح نفسه بقوة في جداول الأفلام الأكثر نجاحاً في دور العرض الأمريكية والعالمية.

هذا الفيلم الغنائي تدور لقطاته في أماكن جميلة.. ويدير مشاهده مجموعة من أيادي هوليوود المبدعة في العمل الفني، يتوجها حضور آسر لسيدة هوليوود غير المتوجة ميريل ستريب فيه الكثير من المفاجأة والإبهار.

Mamma Mia!

Mamma Mia!

الحبكة القصصية في الفيلم ليست بذلك التوهج..فهي قصة رومانسية كوميدية للكاتبة البريطانية كاثرين جونسون ..قصة هادئة مبنية في أساسها على كلمات أغاني الفرقة الأسطورية ABBA -بل أنها تشبه صندوق موسيقى سينمائي لأغاني الفرقة- تدور في أحداثها حول امرأة -اسمها دونا لمن يهمه أن يعرف- قضت ريعان شبابها تخرج من تجربة حب فاشلة أكثر رغبة في استخدام جسدها في الحب..برغبة أقل بكثير في الحصول على حب جديد أو تتويج علاقة جادة بالزواج..وبعد شهر صاخب من العلاقات العابرة تصبح حاملاً، وتنجب فتاة اسمها صوفي لا تعرف عن أبيها شيئاً..وعندما تكبر الفتاة وتقرر أن تتزوج باكراً تتذكر أنها بحاجة لمعرفة أبيها ولقاءه..فتفتح مذكرات أمها السرية وتدعو كل من عاشرتهم الأم لحضور زواجها، لعل أحدهم يكون الأوفر حظاً في حملها إلى مذبح الزواج..طبعاً هنا..يقفز الأباء المحتملون الثلاثة إلى الطائرات والسفن فوراً، بحثاً عن تلك المرأة التي كانت يوماً لعبة سائغة على أسرتهم..مطربة محبوبة على مسارح الغناء..يتركون كل شيء بحثاً عن تلك اللحظة العابرة التي مر على انتهائها السريع عشرون عاماً فقط…!! المشكلة هنا أنهم أو الفتاة أو الأم لا يعرفون من هو الأب المتوج لهذه الفتاة اليافعة فعلاً..مما يسقط جميع الأطراف في لعبة الرغبة وعدم الرغبة في نبش جروح الماضي..

تدور الأحداث ببطئ منذ تلك اللحظة وسط أجواء غنائية كشفت عن موهبة آسرة لدى ميريل ستريب في إمتاع السامع والمشاهد بمجموعة من أهم أغاني السبعينيات وتحديداً فرقة ABBA السويدية الشهيرة ويدل على ذلك اسم الفيلم الذي يطابق إحدى أشهر أغاني الفرقة في ذلك الوقت..

كلهم يغنون.. ولو أن الاقتدار محصور بالأصوات النسائية في العموم والشكر موصول لمؤلفي أغاني الفرقة ABBA الأصليين الذين شاركوا في إعداد فصول الغناء الغزيرة في الفيلم بالشكل المطلوب والإخراج الأنثوي الرقيق المتمثل في فيليدا لويد..الأجواء كلها تساعد على ذلك، حتى صديقتا الأم دونا وعضوتا فرقتها المنقرضة حضرن للجزيرة لمساعدتها في التحضير اللائق للزواج وترميم فندقها المفلس -الواقع بالصدفة على تل يقال أنه احتوى في زمان غابر على نافورة أفرودايتي الأسطورية الشهيرة- إلى هنا وكل شيء يسير مجازاً بشكل مقبول إلى حد كبير..

الفتاة صوفي التي تلعب دورها المغمورة شجية الصوت باهتة الأداء أماندا سيفرايد تريد أن تحظى بزواج تقليدي على عكس حبيبها الذي يهوى السفر ويرغب بتحفظ في أن يحظى بها دون ميثاق زواج ملزم.. أحد الآباء المحتملين الثلاثة بريطاني ثري اسمه سام كارمايكل (ويقوم بدوره نجم سلسة جيمس بوند بيرس بروسنان) هو حب دونا الحقيقي وطرف العلاقة الحقيقية الوحيدة التي أفضت إلى هذه الفوضى السريرية التي عاشتها مع كل من بيل الأرعن (ستيلان سكارسغارد) وهاري التائه الهوية (كولين فيرث)-وتذكروا هذا الأخير جيداً فهو مفاجأة القصة- والجدير بالذكر أن بيرس بروسنان كان من الأجدى له إطباق فمه أكثر بدلاً من أن يبدو أكثر حماقة وغباء كمؤدٍ غنائي من جوني ديب في فيلم سويني تود..لا أدري لم عجز مشرفو الكاستينغ في الفيلم عن إيجاد بريطاني وسيم آخر يمكن على الأقل أن يتظاهر بالغناء بدلا من بيرس بروسنان..حتى انتوني هوبكينز كان ليبدو أكثر إقناعاً منه في هذا الدور على الرغم من السنين والتجاعيد والذوق الراقي في انتقاء الأدوار..على العكس من صاحبنا تماماً.

قد يستغرب البعض اختياري مشاهدة الفيلم من الأساس فأنا لا أحب الأفلام الغنائية عموماً، وقلما أجد في مثل تلك القصص السطحية ما يستحق مواصلة المشاهدة، لكنني كنت أصطحب زوجتي التي تحب ميريل ستريب ولم أكن لأختار أن أخرج باكراً إلا لو كانت وجهتي إلى مكان آخر غير المنزل 🙂

لا أنكر أنني استمتعت بالأغاني والرقص في كثير من الأحيان فأغاني آبا لا يمل سماعها وأداء ميريل ستريب يجعلك تقفز من الدهشة من أن هذه الفنانة الموقرة المسنة لا تزال قادرة على التشقلب والتزحلق والقفز وكأنها أصغر سناً من ابنتها..هذا عدا عن صوتها الجميل القادر على إضفاء لمسة مميزة إلى كل المشاهد وملامحها المعبرة في كل الأحيان..

لكنني لم أستطع مقاومة الشعور بالغثيان عندما انحنت القصة والحبكة الدرامية أمام رغبة صناع الفيلم في إبراز الشذوذ الجنسي وتجميله..عدا عن اختيار المخرجة -ولا أدري إلى أي حد كانت مؤلفة القصة مسؤولة- أن تنتهي القصة بهروب الإبنة مع حبيبها وعدم زواجها رغم أنها كانت بين يدي الكاهن واختيارها مسار أمها في أن تظل عشيقة رغم أن شيئا لم يكن ليتغير لو أنها تزوجت فعلاً..

هاري.. أحد الآباء المحتملين تبين أنه شاذ..!! ليس ذلك فقط بل أنه لم يفوت فرصة وجود كل هذا الكم من الوسيمين اليونايين والبريطانيين ليقوم باختيار خليل يقضي معه ما تبقى من سنين ضاع معظمها وهو لايدري إن كانت مغامرته مع دونا شيئاً عادياً أم زلة ميول!

تعودنا أن نرى هوليود تستلم لجماعات الضغط ولوبيات الشواذ فتروج للشذوذ بين الأجيال قديمها وجديدها.. لكن أن يقفز هذا الاستنتاج على الشاشة هكذا دون مقدما هنا تكمن دوافع القيء والاسهال..!!

لن أحرق القصة برمتها.. رغم أن شيئاً ما لن يفوتك عزيزي القارئ..فالرسائل الموجهة في الفيلم تغلب الفيلم نفسه..وتطيح أرضاً بكل المحاولات من الممثلين والممثلات ومؤلفي الأغاني في إمتاعك..

ماما ميا! أو فليحيا الشذوذ فهكذا أراد الفيلم لك أن تردد معه وأنت خارج..تنظر حواليك لو أن أحداً سيفهم حضورك الفيلم خطئاً..وإن كنت حريصاً على صورتك وما تعلنه من ميول جنسية.. فخذ معك زوجتك أو أي أنثى لو استلزم الأمر.. لأنك لو كنت وحيداً..فأنت هاري آخر..!!

للفيلم كله أعطي درجة 6 من 10

لميريل ستريب وحدها أعطي 9 من 10

للغناء 8

الإخراج 6

وللقصة 2 من10

لمشاهدة التريلر:

محمد الهاشمي

About محمد الهاشمي

إعلامي،شاعر،كاتب من الإمارات ،بتخصص إدارة وسياسات ثقافية، مهتم بالشؤون المحلية والخليجية والعربية، وحوار الثقافات والأديان. عمل مذيعا ومقدما للتلفزيون بين ٢٠٠٠-٢٠١٢، وشارك شاعرا في عديد الأمسيات

14435 thoughts on “ماما ميا! دعوات للانحطاط في قالب غنائي جميل

  1. I’ve learn a few good stuff here. Definitely worth bookmarking for revisiting. I wonder how a lot effort you place to make this kind of fantastic informative site.|

  2. Some truly good content about this web website, appreciate it for info. A conservative can be a man which sits and also thinks, mostly sits. by Woodrow Wilson.

  3. Thank you ever so for you post. Keep writing.

  4. What challenges to you find when using social media on your website? Maybe we can help answer your question

  5. What challenges to you find when using social media on your website? Maybe we can help answer…

  6. I truly appreciate this blog article. Fantastic.

  7. What challenges to you find when using social media on your website? Maybe we can help answer…

  8. Hey, thanks for the blog post.Really thank you! Really Cool.

  9. There is obviously a lot to know about this. I think you made various good points in features also.

  10. Wow, what a video it is! Really pleasant quality video, the lesson given in this video is really informative.

  11. Your style is really unique compared to other people I ave read stuff from. Many thanks for posting when you ave got the opportunity, Guess I will just bookmark this web site.

  12. I appreciate you sharing this blog post.Much thanks again. Cool.

  13. alternativ zu, http://apotekvarerpanettet.life/lasix.html , köpa pa natet göteborg.

  14. There’s definately a great deal to find out about this issue. I really like all of the points you made.|

  15. Awesome article. Really Cool.

  16. Thank you for your blog post.Thanks Again.

  17. Fantastic blog.Really thank you! Much obliged.

  18. Thanks for the post.Thanks Again. Really Cool.

  19. Hello There. I discovered your blog the usage of msn. This is an extremely smartly written article. I’ll be sure to bookmark it and return to read extra of your useful info. Thank you for the post. I’ll definitely return.|

  20. Very nice article. I definitely love this site. Keep it up!|

  21. What’s up to all, the YouTube record that is posted at at this point has truly fastidious quality along with fastidious audio quality

  22. Fantastic article post. Cool.

  23. A big thank you for your post. Want more.

  24. Thank you ever so for you post.Thanks Again. Keep writing.

  25. Frankrijk belgie, http://internetapotheeknl.life/baclofen.html , kopen nederland frankrijk.

  26. wow, awesome post.Thanks Again. Want more.

  27. I really enjoy the article post. Much obliged.

  28. Hello all, here every one is sharing these kinds of experience, thus it’s fastidious to read this webpage, and I used to go to see this webpage every day.|

  29. Does your blog have a contact page? I’m having problems locating it but, I’d like to shoot you an e-mail. I’ve got some ideas for your blog you might be interested in hearing. Either way, great blog and I look forward to seeing it grow over time.|

  30. I really liked your blog article.Really looking forward to read more. Want more.

  31. I all the time used to read piece of writing in news papers but now as I am a user of internet therefore from now I am using net for articles or reviews, thanks to web.

  32. A round of applause for your blog article.Thanks Again. Much obliged.

  33. A round of applause for your article post.Really thank you! Want more.

  34. I am so grateful for your blog.Really looking forward to read more. Fantastic.

  35. I absolutely love your website.. Great colors & theme. Did you build this site yourself? Please reply back as I’m looking to create my very own blog and would like to learn where you got this from or what the theme is named. Appreciate it!|

  36. Admiring the time and energy you put into your site and detailed information you provide. It’s great to come across a blog every once in a while that isn’t the same out of date rehashed information. Fantastic read! I’ve saved your site and I’m including your RSS feeds to my Google account.|

  37. Thanks for sharing, this is a fantastic post. Cool.

  38. Thank you for your article post.Really thank you! Cool.

  39. Im grateful for the article post.Really looking forward to read more. Fantastic.

  40. Hi there kids, you all have to watch hilarious videos, however keep in mind that first study then enjoyment okay.

  41. beste sted å kjøpe Engelsk, http://apoteknorgeonline.life/olanzapine.html , on-line Danmark.

  42. Hurrah, what a quality it is! Since mostly YouTube video tutorials have no pleasant feature, but this is in fact a fastidious quality video.

  43. Awesome blog.Thanks Again. Cool.

  44. A big thank you for your blog post.Really thank you!

  45. Thanks for some other informative web site. Where else may just I am getting that kind of info written in such a perfect approach? I have a project that I’m just now operating on, and I have been at the look out for such information.|

  46. Fantastic article post.Really thank you! Want more.

  47. If you are paying attention to learn Web optimization strategies then you should read this article, I am sure you will obtain much more from this article regarding Search engine marketing.

  48. Thank you ever so for you blog post.Much thanks again. Awesome.

  49. Very good information. Lucky me I found your website by accident (stumbleupon). I ave book-marked it for later!

  50. I am so grateful for your blog post.Really thank you! Cool.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may use these HTML tags and attributes:

<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>