RSS
 

السودانيون “ضاعوا في الترجمة”*

07 أكتوبر
محمد الهاشمي

محمد الهاشمي

تناقلت مواقع انترنت عدة وصحف سعودية خبراً مفاده أن إحدى أكبر المكتبات في المنطقة سحبت من أرففها النسخ التي ترجمتها عن كتاب توني بوزان “العقل أولا” صاحب براءة اختراع “خارطة العقل” الذي أثار جدلاً واسعاً لدى العلماء وصار مرجعاً من مراجع تقييم الذكاء والمنطق في كثير من الاختبارات الحديثة عدا عن صدور برنامج حاسوبي واسع الانتشار يحمل الاسم نفسه. المكتبة وعدت بعدم بيع أي نسخة أخرى وأصدرت اعتذاراً رسمياً للإخوة السودانيين على الإساءة التي تسبب بها الكتاب لهم.

تلك الإساءة مضمونها نكتة وردت في الكتاب تقارن بين السوداني النشيط والديناصور، من حيث أنهما انقرضا! وبطبيعة الحال فنحن نسمع مثل هذه النكت كل يوم، وأظن أن هذا الاتهام للسودانيين بالكسل ليس جديداً عليهم أو علينا بنو منطقة الخليج بشكل خاص، رغم أننا أكثر من يعرف عن إسهامات الجالية السودانية في نهضة أوطاننا وتطورها منذ تأسيس دول المنطقة. لكن النكت كثيراً ما يستخف بمضمونها، وذلك لأن أي مستنكر لنكتة سيبدو في معظم الأحيان وكأنه بلا روح رياضية أو أنه ثقيل دم ولا يتحلى بروح الدعابة.
لكن مالذي دعا مؤلفاً شهيراً كتوني بوزان أن يسيء إلى السودانيين في كتاب يدعو إلى استخدام العقل؟! تساؤل طبيعي كهذا جوابه أن النكتة لم تكن ضمن الكتاب الأصل، وأن النكتة ضمّنها أحد مترجمي الكتاب من قبيل التتبيل والتحسين! لقد نصّب بعض مترجمي الكتب العرب أنفسهم أوصياء على الكتب الأجنبية فصاروا يعدلون فيها ويحذفون ويضيفون بحسب رؤيتهم، والكاتب الأصل هو آخر من يعلم، ففي حالة كتابنا هذا أصدر توني بوزان بياناً رسمياً ينفي علاقته بتلك النكتة تماماً. ليست تلك الحادثة الأولى التي تطفو على السطح فكثيراً ما نقرأ كتباً مترجمة لا علاقة لها بالأصل، والسبب أن معظم الترجمات غير قانونية ومسروقة ولم تأخذ أي رخصة من الكاتب لنقلها إلى العربية، فضلاً عن أن المترجمين معظمهم غير محترف للمهنة ويزاولها كعمل إضافي لمصدر دخل سريع وسهل، والبعض منهم لا يجيد اللغة أساساً ويعتمد على برامج الترجمة الألكترونية وقواميس اللغات كلبنة أساسية لعملية الترجمة. وأحسب أن أزمة السودانيين والإساءة التي تعرضوا لها ليست إلا حلقة واحدة في سلسلة كبيرة من التجاوزات وألوان الاستهزاء بعقلية القارئ العربي، وكأن مقص الرقيب لم يكن كافياً لتجريد الكتب المترجمة من دقتها وأمانتها الأدبية، فصار تصرف المترجمين قشة تقصم ظهر الكتاب والقارئ معاً.
أنا متعاطف مع قضية الأشقاء السودانيين مع كتاب “العقل أولاً”، إلا أنني متعاطف أكثر مع القارئ العربي فهو الخاسر الأكبر في ألف كتاب وكتاب غيره.
• بعض عبث:
“اللي بتقدر على ديّتو، أقتلو” – مثل شعبي سوداني

* مقالة منشورة في صحيفة هماليل الأدبية الإماراتية – 15 سبتمبر 2009

 

Leave a Reply

 
 
  1. ماجدة

    يناير 6, 2010 في 10:22 م

    أنا متعاطف مع قضية الأشقاء السودانيين مع كتاب “العقل أولاً”، إلا أنني متعاطف أكثر مع القارئ العربي فهو الخاسر الأكبر في ألف كتاب وكتاب غيره

    (وانا كدلك اوافك الرأي يا اخي)
    ماجدة)

     
  2. علي

    يناير 6, 2010 في 10:46 م

    مقال جميل وواقع أليم للكتاب المترجم, حتى الكتب العربية هي في الاساس (مقتبسة) من الاجنبية واكيد ما اعمم ولكن كثير من الكتب كذلك.

    “اللي بتقدر على ديّتو، أقتلو” – مثل شعبي سوداني

    احلى مثل :D