محمد الهاشمي

محمد الهاشمي

حمل تقرير التنمية العربية الذي يعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي توصياتٍ لتحقيق كل شيء إلا التنمية، ليس لأن التقرير يضع المشكلات ولا يقترح الحلول فحسب، بل لأنه متهم دائماً بتسييس القضايا التي يطرحها، وبالتالي يصبح من السهل أن يرفضه العرب -وحكوماتهم قبلاً- جملة وتفصيلاً، حتى وإن غنّى كلٌ على ليلاه!

هذا التقرير -وهو يعد من بين أشهر التقارير السنوية للتنمية الثقافية العربية- حمل عنوان “أمن الإنسان العربي”، ولا يمثل في الغالب إلا ورقة ضغط ضد الملفات العربية الشائكة والحقوق المغتصبة والحكومات العربية “المغضوب عليها”، حتى أن الدكتور مصطفى كامل كاتب التقرير وباحثه الرئيسي تبرأ منه قبل الإعلان عنه، وأعلن أن التقرير حوى تدخلات وتحويرات كثيرة من قبل أعضاء البرنامج التابع للأمم المتحدة.
من المهم بمكان أن أركز نظري على ما جاء في التقرير حول التنمية الثقافية والإنسانية وأترك منعطفات السياسة لأن مكانها ليس هنا حتى وإن كانت المواضيع كلها سياسة. في التقرير الخامس، هناك تغييب شبه تام لقضايا الثقافة على الرغم من انتقاده المركّز في تقارير سابقة لأوضاعها وتحدياتها، مع أن هموم الثقافة العربية زادت ولم تنقص، حتى أن الثقافة في كثير من دول المنطقة باتت مهمشة، ومدفونة معها حريات المثقف العربي بالكامل. في المقابل كان التركيز على القضايا الاجتماعية منصباً على قضايا المرأة –وهذا بديهي في مثل هذه التقارير- فيما يحسب للتقرير أنه نبّه إلى خطورة قضيتي الفقر والبطالة وتفاقمهما. من جانب آخر، تمثلت مشاركة المثقف العربي الوحيدة في صياغة التقرير في مبحث –بعيد عن الثقافة- للروائية أحلام مستغانمي حول الوضع الأمني الداخلي في الجزائر، لكن حتى هي حذفت من صيغته المعلنة. هناك نقطتان أستغرب منهما وهذا بيت القصيد: أولاً أن موضوع أمن الإنسان تحدث عن كل شيء إلا مخاطر الانفلونزا الجديدة التي تشكل الخطر الأكبر على المدى القصير، ومدى استعداد الدول العربية لمواجهتها، فالأمن الصحي لا يقل أهمية عن الأمن السياسي والمجتمعي إن لم يفقهما. ثانياً أنه ركز على الأمن الاقتصادي للعرب وكأنه ضحيتهم لا ضحية الغرب، مع أن أهم الاقتصادات العربية كانت الأقل تأثراً على مستوى العالم نظراً لأنها اقتصادات نفطية، والنفط كان الكاسب الأكبر في معمعة الزلزال المالي العالمي الأخير فهو “ملك السيولة المالية”. ولم ينتبه التقرير بشكل غريب إلى أن رؤوس الأموال العربية واجهت ضغوطاً حادة لإنقاذ اقتصاد الدول الكبرى بدلاً من أن تستفيد اقتصاداتها الداخلية من مكاسبها المؤقتة.
• بعض عبث:
لا تقولين المحبة ما تموت.. قولي ان الموت: حب ونخنقه.

* مقالة منشورة في صحيفة هماليل الأدبية الإماراتية – 1 أكتوبر 2009