كمامات بطوط*
أضيفت بواسطة محمد الهاشمي - دافي الجرحأكتوبر 27

محمد الهاشمي
بعض ظن..!
كنت خائفاً من الموت أو المرض على غير عادة. كان شعوري بالخوف وأنا أعبر ممرات السوق الحرة باتجاه أنبوب الطائرة متدفقاً، فرغبتي بالحياة مرتبطة بانتظاري لخبرٍ سار. لا أبرر خوفي (أو هكذا أود أن يبدو الأمر) فبالنسبة لي تضاعفت دواعي الخوف مؤخراً. من بين من أعرفهم بضعة ممن أصابهم “مرض الحلّوف” على الرغم مما نسمع ونقرأ عن “اتخاذ المسؤوين إجراءات احترازية ومتابعة مبكرة لكل حالات البرد والرشح”، نسأل لمرضانا العافية وللمحترزين أولئك مزيداً من الاحتراز والحرص. هذا فوق علمي بأن أول ظهور للمرض نتج عن انتقاله بين ركاب طائرة ما.
“النداء الأخير”..بها استهلت موظفة الإعلان في المطار تحذيرها لركاب طائرتي من أن الوقت قد أزف. كان متبقيا على الإقلاع ثماني وعشرين دقيقة. تحركت في شراييني وبطني كل الإنزيمات والأحماض فاندفعت نحو الصيدلية، وسألتهم عن كمامة للوجه، فقالوا إن الكمامات كلها قد نفذت. رأت الصيدلانية قلقي واستجداء عيني فرفعت سماعة الهاتف وسألت ثم أشارت إلي بالاتجاه نحو المبنى الآخر لمطار أبوظبي ففيه صيدلية أخرى تملك الكمامة. كان علي الإسراع، فالوصول إلى هناك يستغرق عشرين دقيقة ذهاباً وعودة، لكن شيئاً لم يثنني عن الاندفاع نحو كمامتي.
وصلت في أقل من عشر دقائق، وطلبت الكمامة من الرجل فابتسم وكأنه كان بانتظاري فأخرج واحدة فطلبت ثلاثاً أخرى. جلس الصيدلاني يشرح طريقة لبسها ولكنني كنت أفكر في طائرتي فهرعت عائداً. كان الذهاب والعودة بين المبنيين يستدعي أن أمر من جديد على نقاط التفتيش –وهذه أستغربها-. المهم أنني لبست الكمامة عند النقطة الأولى فضحك الشرطي في وجهي وقال:”لا تحاتي”. هنا بلغ الإحراج ذروته ولكنني جلست أبرر موقفي وأحكي له القصة بينما أبتعد عنه، فالطائرة لن تنتظر أن أقنعه بأسبابي. وصلت لنقطة التفتيش الثاني، أعطوني نصيبي من التعليقات، بدأت ألقي المحاضرة نفسها ولكنني لم أكمل الجملة إلا وكنت على بعد خمسين متراً عنهم. في طريقي إلى الطائرة، كان انعكاس الضوء على زجاج الأنبوب قد حوله إلى مرآة، فنظرت إلى نفسي وكانت الفاجعة. كنت أشبه “بطوط” أو “دونالد” فالكمامة تبدو كمنقار. دخلت الطائرة وهممت بالجلوس. لا أذكر الكثير ولكن آخر شيء سمعته كان عدداً لا بأس به من مقلدي صوت بطوط المميز –تعرفونه طبعاً- ونوبات من السعال والضحك والعطاس. لا أذكر الكثير بعدها وفيما يبدو أني جلست حتى وصولي إلى لندن دون أن أنبس بحرف! لكنني أبقيت على الكمامة حتى عندما خنقتني وأحرجتني لأنها نجحت في منع دخول الهواء نفسه عني. لا أدري إن كان السعال والضحك والعطاس حقيقة أم أنها نكتة ساخرة أخرى، ولكن إحساسي أنني فعلت ما يجب أحالني ملكاً يمشي واثق الخطوة فجأة، وكأن من عطسوا وكحوا كانوا جميعاً مصابين وأنني قهرت فيروسهم بكمامتي القبيحة تلك.
• بعض عبث:
اللقاح ومخاوف الناس منه، جعل “الوزير أولاً” الحملة الأكثر شيوعاً في محادثات البلاكبري.
* مقالة منشورة في صحيفة هماليل الأدبية الإماراتية – 15 أكتوبر 2009

تعليق واحد
بواسطة ماجدة في يناير 6, 2010 الساعة 10:15 م
استمتعت بقراءتي لهدا المقال فانت مبدع دائما كما اعجبت بتقتك لنفسك انها تبين قوة شخصيتك
(ماجدة من المغرب)