RSS
 

الصدام ما بين المجتمع المحلي .. والإعلام المحلي

19 سبتمبر

عندما كان الإعلام الإماراتي محصوراً داخل أطر المحلية والبث الأرضي، كان من الواضح أن لدى القائمين عليه توجهاً صريحاً نحو الشأن الداخلي، فشكل هذا التوجه دعامة أساسية مؤثرة ومتأثرة بالتوجهات السياسية والاقتصادية للدولة، والأعراف والتقاليد والعادات التي أحاطت بها. وظلت القنوات التلفزيونية والإذاعية تحاكي نبض الحياة مع شيء من الانفتاح التدريجي البطيء على “الآخر” بدءاً من المسلسلات الأجنبية المدبلجة والمترجمة، وانتهاء بالتنوع والتوسع في الخدمة الإخبارية لهذه القنوات. وبقي إعلامنا المحلي بعيداً إلى حد كبير عن الفكر التجاري الربحي إلى ما بعد ظهور عصر البث الفضائي بسنوات ليست بقليلة.  لكن الثورة التسويقية والإعلانية التي أحدثتها بعض القنوات الفضائية العربية الغير حكومية، وما تبع ذلك من نجاح جماهيري باهر لها، دفعا بالجميع إلى إعادة تقييم الأهداف والتوجهات. ومن هذا المنطلق بدأت حملات التغيير لتشمل كل شيء يتعلق بالعملية الإعلامية. لقد  طورت هذه التغييرات بشكل جلي آلية العمل الإعلامي وموراده البشرية وغير البشرية، لكنها أيضاً طالت –بحسب الكثير من الآراء- تلك الصورة المحافظة والتقليدية التي عكستها تلك القنوات من قبل حول المجتمع المحلي، لتصبح متحررة أو “هدّامة” من وجهة نظر شريحة لا بأس بها  من مواطني ومقيمي وطننا– الذي بحتضن ما يقرب من خمسة ملايين نسمة من أكثر من مائة وستين دولة-.


لن نستغرب كثيراً إذا ما تردد على مسامعنا أن قنواتنا لا تشبهنا إلا في أسمائها، فلا الصورة تختلف عما نشاهده في أي قناة عربية أو أجنبية، ولا المضمون يحمل من واقعنا المعاش أي شبه. ونشأ على إثر ذلك صدام بين الواقع الاجتماعي المحلي، والتوجه الإعلامي المحلي- ممثلاً في القنوات الممولة جزئياً أو بشكل كامل من الحكومات المحلية لإمارات الدولة. وبات التساؤل الأكثر إلحاحاً يدور حول هوية الإعلام المحلي وأهدافه، وما إذا كان واقعنا وإعلامنا متصلان أو منفصلان، وما إذا كان الإتصال هو المفترض أو الانفصال هو المطلوب.
بقي الرأي بأن “إعلامنا لا يعكس صورتنا” مترسخاً في ذهني لسنوات طويلة –شأني شأن الكثيرين-، لكنني لم أستطع في كثير من الأحيان تصديق أننا لازلنا نمثل بشكل عام، مفهوم “المجتمع المحافظ” الذي نريد له أن ينعكس في الصورة الإعلامية المحلية لقنواتنا. كما أنني لم أستطع إنكار تلك الملاحظة والقراءة –الموضوعية أو التراكمية- لحقيقة أننا نعيش تطوراً لافتاً وتغيراً متسارعين في مضمون “العرف والعادات”  لدى محيطنا الاجتماعي، وينطبق هذا الأمر على آراء الجيلين من الآباء والأبناء حول كل ما يمس ظاهرنا الشكلي أو باطننا الفكري والعاطفي تجاه الكثير من المسائل التي تدور حول “العيب” أو “المنقود” أو “الخطأ” أو في بعض الأحيان تصل إلى تعريفنا الشرعي للحرام والحلال.
إذاً، هل لازلنا حقاً نعكس بشكل عام مفهوم “المجتمع المحافظ”؟ وإلى أي مدى؟ هل التغيير الاجتماعي في عاداتنا وأعرافنا –وخصوصاً السلبي- يتحمله إعلامنا المندفع نحو الحداثة والانفتاح بدون قيود؟ أم أن هذا الاندفاع عكس ويعكس رغباتنا الدفينة في الانفتاح ومواكبة التطور الحضاري المدني الذي تعيشه بلادنا المتقدمة في معظم الجوانب –ولله الحمد؟ أنا لا أسلم في هذه الأخيرة بالإيجاب بشكل قاطع، ولكنني لا أستطيع مقاومة إلحاح هذا الرأي بالنظر إلى واقعنا المجتمعي الحالي!
هذه الأسئلة تحتمل التسليم أو الرفض من نواح متعددة، لكن الأهم أنني أجد أن من الصعب أن نقنع أو نقتنع بأن إعلامنا المرئي موجه في الأساس “إلى الخارج”، وأننا كمجتمع يبحث عن وسيلة لحماية موروثاته ومكتسباته، لا نجد في إعلامنا المحلي من يمثلنا أو يحاكي تغيرات حياتنا – إلا فيما ندر. ولا أعرف لِمَ تنكر وسائلنا الإعلامية –بقصد أو غير قصد- ثقل وقوة الشريحة المحافظة في مجتمعنا المحلي المواطن أو المقيم، وقدرته على الوفاء بالطموحات التجارية والربحية لها –هذا لو كانت الطموحات التجارية هي المبرر الحقيقي لتغير التوجهات-.
لا أعتقد بتاتاً أن “الخارج” بحاجة ماسة إلى ما تقدمه قنواتنا التلفزيونية الممولة حكومياً من برامج وأخبار، بل أن الكثيرين من خارج حدودنا استطاعوا الاستئثار بشريحة أكبر من المشاهدين في الداخل والخارج. وأظن أن المواطنين والمقيمين داخل حدود بلادنا الحبيبة، أحوج ما يكونون إلى من يناقشهم في قضاياهم، ويمثل هموم حياتهم اليومية، وطموحاتهم وهواجسهم.  وأكاد أجزم أن الصورة التي تمثلنا وتعكس واقعنا أكثر جاذبية من تلك الصورة المبهمة أحياناً والتجاهلية الإغترابية أحياناً أخرى، التي تقدمها هذه القناة أو تلك.
إن التوجهات والأهداف هي في أمسّ الحاجة إلى “إعادة للهيكلة” حتى تستطيع الاندماج من جديد مع واقعٍ ملموس يقول إن “زامر الحي يطرب”، مثلما يرفض هذا الواقع أي “هيكلة” يقصد منها نفض الأغبرة والأوساخ، ودسّها تحت السجاد!

Post to Twitter

 

Leave a Reply

 
 
 
Get Adobe Flash playerPlugin by wpburn.com wordpress themes