ترانزيت في سماء “البلد البعيد الذي تحب”..

د.أحمد خيري العمري – القدس العربي
د. أحمد خيري العمري
ترانزيت في سماء “البلد البعيد الذي تحب”..

د. أحمد خيري العمري

“على قلق كأن الريح تحتي”، أريد أن أركب الريح، أو أسابقها لكي أصل حيث ترقد والدتي في المشفى في الامارات.. الرحلة تستغرق من واشنطون الى دبي تستغرق أكثر من ثلاث عشرة ساعة، و أي “ترانزيت” سيعطلني أكثر مما أحتمل..لذا كان طلبي الوحيد من وكيل السفريات ان تكون الرحلة مباشرة : بلا ترانزيت !

لكنه لم يكن يدري، كما لم أكن أدري أنا أيضا أن الرحلة كلها ستكون “ترانزيتا” بطريقة ما.. ولم أكن أدري وأنا أستقر في مقعدي أن الشاشة المثبتة أمامي ستنقلني إلى ترانزيت لم يكن في بالي ولا حساباتي..

من بين الخيارات في تلك الشاشة كان ذلك الخيار الذي يوضح لك موقع الطائرة من خط سير الرحلة على خريطة تشكل في حالتي العالم بأسره، تجاهلت الأمر في البداية، إذ ما إن تقلع الطائرة حتى تحلق فوق المحيط الأطلسي الذي أسماه أجدادنا بحر الظلمات، و لا أحد يريد أن يتذكر ذلك طول الوقت، خاصة عندما يكون لديه ما يكفيه من الهواجس مختلفة النوع..

قضيت أكثر من نصف الوقت مع كتابي وأوراقي، ولم يخطر في بالي أن أعرف موقع الطائرة لكني لمحت من شاشة مجاورة أننا فوق شمال أوربا.. بعد قليل وجدت أننا فوق أنقرة، وبدأ خط الرحلة (الذي لم أكن قد فكرت فيه قبلها) يتشكل في ذهني.. وبدا لي أن الطائرة تتجه لتحلق فوق العراق.. ذلك البلد البعيد الذي أحب.. ذلك البلد الذي كلما ابتعدت عنه كلما أحببته أكثر.. واشتقت إليه أكثر.. ذلك البلد الذي لن تكون كلمة “قسري” لتفسير بعدي عنه.. بل ستبدو كلمة قسري قاصرة ومسطحة لوصف ما حملني وحمل الملايين غيري على اقتلاع أنفسهم من ذلك الوطن الذي صمدوا فيه لعقود صعبة، ثم جاء وقت صار الصمود نفسه يتطلب الصمود..

بصراحة، لم أكن مهيئاً للقاء فوق السحاب مع وطني… كنت أعتقد أن لقاء كهذا يجب أن يكون مرتبا، بإنذار سابق على الأقل، لكن يبدو أن أهم لقاءاتنا هي التي تكون بلا ترتيب ولا تخطيط..
قراءة المزيد

لو كان شكسبير حيا لما تردد لحظة واحدة في أن يبدل نموذجه الدرامي الشهير عن التردد (هاملت) بنموذج آخر أكثر ثراءً من الناحية الدرامية وأكثر امتلاءً بالتناقضات التي تجعله متردداً أكثر بكثير من الأمير الدنماركي الشهير . هذا النموذج البديل هو شخص يؤمن أنه ‘مسلم ليبرالي’- وهو لم يكن يقول ذلك صراحة أول الأمر وإن كان في داخله شيء من الاثنين، مع الوقت تزايدت حدة الصراع في داخله، وصار يقول سراً – لنفسه على الأقل : أنه ‘مسلم ليبرالي’ … ولكن تغيرات إقليمية عميقة لا تخفى جعلته أكثر صراحة وصار يقول ذلك الان بصوت أعلى من ذي قبل.
هذا ‘المسلم الليبرالي’ شخصية مغرية جداً بالنسبة لكتاب الدراما وللفنانين عموماً ذلك أن وجود المتناقضات في داخله يجعل منه شخصية مركبة ومعقدة تثير تحدياً مستفزاً أمام الفنانين لتجسيدها، وكما كان تردد هاملت سبباً في جعله رمزاً درامياً للتردد كوضع إنساني ينتهي بالعجز وعدم القدرة على الفعل فإن ثراء ‘المسلم الليبرالي’ من الناحية الفنية ينتهي عند حدود العمل الفني فقط ليتضح بعدها أرضاً بواراً غير قادرة على الإنتاج لأن ترددها بالذات هو سبب عجزها و عقمها.
مبعث كل هذا هو أن هذا ‘المسلم الليبرالي’ أو ‘الليبرالي المسلم’ – لا فرق – آمن بالشيء ونقيضه في آن. وتقبل وجود نقيضين حادين والتمزق بينهما.

قراءة المزيد